المنجي بوسنينة
46
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
هايورد في كتابه الأدب العربي الحديث بأبياتها التي تربو على الثمانين ، والتي علّق عليها في حينها الناقد العراقي طه الراوي قائلا : « إنها أكدت أن أحمد شوقي لم يمت وان الزعامة الشعرية لا تزال في مصر » ، وقال عنها زكي مبارك مخاطبا الجارم : « هل تعرف مصر أنك رفعت رأسها في العراق ، وأنك كنت خليفة شوقي في المعاني وخليفة حافظ في الإلقاء ؟ » . أما شهرة الجارم في السودان فقد بلغت حدّا جعلت الشاعر السوداني محمد أحمد صالح ينشر قصائده بتوقيع « الجارم الصغير » ، وفي إحدى زياراته للسودان ، أنشد الجارم قصيدة نونية معارضة لنونية ابن زيدون وشوقي جاء فيها : يا نسمة رنّحت أعطاف وادينا * قفي نحيّيك أو عوجي فحيّينا هبّت بنا من جنوب النيل ضاحكة * فيها من الشرق والآمال ما فينا أثرت يا نسمة السودان لاعجة * وهجت عشّ الهوى لو كنت تدرينا وقد لقيت القصيدة ترحيبا واسعا ، وقام الشعراء بمعارضتها ، والفنانون بتلحينها وأدائها . وفي لبنان سنة 1944 ألقى قصيدته المشهورة : ألقيت للغيد الملاح سلاحي * ورجعت أغسل بالدموع جراحي ولمحت ريحان الصبا فرأيته * ذبلت نضارته على الأقداح لو أستطيع لبعت عمري كلّه * لمنى الصبا وأريجه النفّاح أيام أوتاري تغرّد وحدها * وتكاد تسكر في الزجاجة راحي وقد عارضها شاعر لبنان الكبير بشارة الخوري بقصيدة على وزنها وقافيتها تحيّة لعلي الجارم ، وجاء في مطلعها : فتن العيون وثورة الأقداح * صبغت أساطير الهوى بجراحي روح كما انحطم الغدير على الصفا * شعبا مشعّبة إلى أرواح للحب أكثرها ، وبعض كثيرها * لرقي الجمال ، وبعضها للراح وكثيرة هي قصائد الجارم في لبنان ، وفي فلسطين ، وفي بغداد ، وقد شكلت جزءا من شهرته الواسعة في العالم العربي في عقدي الثلاثينات والأربعينات . يكثر شعر المناسبات عند معظم شعراء عصر الجارم ، ولا يسلم من ذلك حتّى شعراء التجديد من أمثال العقاد الذين كانوا قد نعوا في بداية ثورتهم التجديدية ، شيوع هذه الظاهرة عند الشعراء المحافظين . والواقع أن طبيعة العصر ووظيفة الشعر فيه ، لا بد أن يوضعا في الحسبان عند مناقشة هذه الظاهرة . وليست المناسبة في ذاتها معيّنة فمعظم الأعمال الفنية الكبرى ، كان وراءها مناسبة من نوع ما ، وهل يقلل من قيمة « برج إيفل » أنه أقيم بمناسبة انعقاد معرض صناعي دولي في ذلك الحين ؟ أو يقلل من قيمة قصائد المتنبي أنها ترتبط بمناسبات معيّنة عند سيف الدولة أو كافور ؟ لكن المهم هو كيف انطلق الشاعر من المناسبة ليقيم بناء فنيا يشدّ الانتباه